صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

203

أنس المسجون وراحة المحزون

وفّقك اللّه . فلزم بيته وجعل ينفق ممّا في يده . وولي الجزيرة رجل يقال له عكرمة الفياض من ربيعة ، وصادف يوم دخوله الجزيرة نفاد ما كان يتقوّت به خزيمة بن بشر فعند ذلك ذكر « 1 » عكرمة ابن بشر في مجلسه ، وقال : ما فعل خزيمة بن بشر الأسدي ؟ فقيل له : قد صار من سوء الحال إلى ما لا يوصف . قال : فما وجد له من إخوانه كافيا ولا مواسيا ؟ فقيل له : واساه بعضهم ثمّ ملّوه . فقال : واسوأتاه لهذه الأخلاق . ثم دعا خادما له يثق به ، وأمره أن يتعرّف منزل خزيمة ، ففعل ذلك ، ثم أحضر قهرمانه وأمره أن يأتيه بأربعة آلاف دينار . ففعل ذلك ، فلما كان بعد هدأة من الليل دعا بذلك الخادم ، وأمره أن يحمل ذلك الكيس بين يديه . وركب دابّته بغير ضوء ولا سراج ، وليس معه غير الخادم ، وقصدا دار خزيمة حتى أوقفه الخادم على بابها ، فأخذ الكيس ووضعه على قربوس « 2 » سرجه ، وأمر أن يبعد عنه الخادم ، ثم قرع الباب على خزيمة ، ففتح وخرج إليه ، فقال له عكرمة : أنت خزيمة بن بشر ؟ قال : نعم ، أصلحك اللّه . قال : خذ هذا فأصلح به من شأنك . فتناول منه الكيس ، وقال له : من أنت جعلت فداك ؟ فقال : ما جئتك في ذا الوقت وأنا أريد أن تعلم من أنا . فأخذ بعنان فرسه وقال : ما كنت لأقبل معروف من لم أعرفه . فأبى عكرمة ، وألحّ عليه خزيمة ، فقال : أمّا إذ أبيت فأنا جابر عثرات الكرام . قال : زدني ، جعلت فداك . قال : ما عندي غير ذلك . وجذب عنان فرسه ، وانصرف ودخل خزيمة منزله ، فقالت له زوجته : ما وراءك ؟ فقال لها : قد أتانا اللّه بخير عظيم ، فإن كان فلوسا فهي كثيرة ، فهل من سبيل إلى سراج ؟ فقالت : لا واللّه ، مالي إليه من سبيل ، ولا أقدر عليه . فحلّ الكيس ، ولمس خشونة

--> ( 1 ) في الأصل : ذكره . ( 2 ) القربوس : حنو السرج .